السيد محمد الصدر
68
ما وراء الفقه
وهي دالة على ذلك على عدة مستويات : المستوي الأول : قوله تعالى * ( وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ ) * . وما تلته الشياطين كذبا على ملك سليمان هو السحر ، فاتبعه الناس وتعلموه ومشوا في طريقه . ولا شك أن سليمان عليه السلام كان يفعل أمورا واقعية غريبة وليست تخييلية أو وهمية ، فلو كانت تلاوة الشياطين ، أو السحر الذي جاؤوا به وهميا ، لما كان منطبقا على ملك سليمان بأي حال ولما صح تهمته به . والناس إنما صدقوه واتبعوه لأجل أنهم رأوا احتمال الانطباق ، وإذا كان وهميا ، فالانطباق غير محتمل أصلا . والناس عاشوا مع سليمان سنين متطاولة ، في دولة كاملة ، فلم يجدوا منه إيهاما وخيالا ، وإنما وجدوا منه أمور واقعية ومصاديق حقيقية غريبة . ومن خطل القول أن يقولوا : إنه كان يوهمنا في كل ذلك . المستوي الثاني : قوله تعالى * ( يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ) * . وهو نص في منطوقه ، بعد الالتفات إلى ما قلناه قبل قليل من أن السحر لو كان وهميا ، لما انطبق على ملك سليمان بحال . المستوي الثالث : قوله تعالى * ( وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ ) * . فإن من الواضح أن الكفر لا يحصل بمجرد إيقاع السحر ، حتى لو كان فيه إبطال السحر أو كان فيه نفع للآخرين . وإنما يحصل الكفر بأحد أشكال أهمها : 1 - الإضرار بالآخرين عن طريق السحر . 2 الاعتقاد بأنه يفعل ويميت ويحيي بالاستقلال عن إرادة اللَّه سبحانه . 3 - الاتكال على السحر والساحر دون الباري سبحانه . وأي شيء من ذلك لا يحصل بالضرورة إذا كان السحر تخييليا ، إلا ما